مفاوضات أبوظبي: آمال السلام تصطدم بجدار التصعيد الميداني في أوكرانيا
احتضنت العاصمة الإماراتية فصلاً جديداً من الدبلوماسية الهادئة والمكثفة خلف الأبواب المغلقة. وبناءً على ذلك، اختتمت جولة من مفاوضات أبوظبي الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا دون تحقيق خرق ملموس. سعى الوسطاء الدوليون جاهدين لتقريب وجهات النظر المتباعدة جداً بين أطراف النزاع الأكثر دموية في أوروبا. ونتيجة لهذا التصلب في المواقف، انتهت المباحثات بالاتفاق فقط على استمرار القنوات الدبلوماسية مفتوحة مستقبلاً.
ومن الملاحظ أن الأجواء العامة للاجتماعات اتسمت بالجدية العالية والحذر الشديد من كافة الوفود المشاركة. وعلاوة على ذلك، برزت فجوة عميقة في المطالب المتعلقة بشروط وقف إطلاق النار والضمانات الأمنية المطلوبة. وبالتزامن مع ذلك، كان دوي الانفجارات في جبهات القتال يلقي بظلاله القاتمة على طاولة المفاوضات بالإمارات. وتعتبر هذه الجولة محاولة جريئة من أبوظبي لتعزيز مكانتها كمركز عالمي للوساطة وحل النزاعات الدولية المعقدة.
كواليس المباحثات الثلاثية: ملفات شائكة وتوقعات محبطة
ومن ناحية أخرى، ركزت النقاشات على ملفات إنسانية ملحة تشمل تبادل الأسرى وتأمين ممرات الحبوب العالمية. وبسبب انعدام الثقة، واجهت الوفود صعوبة كبيرة في صياغة مسودة أولية لأي اتفاق هدنة مؤقتة ومستدامة. وفضلاً عما سبق، أصر الجانب الأوكراني على الانسحاب الكامل للقوات الروسية كشرط مسبق لأي سلام دائم. وبناءً عليه، يرى المراقبون أن تعنت الأطراف يعكس الرغبة في تحقيق مكاسب ميدانية قبل الجلوس جدياً للتفاوض.
إضافة إلى ذلك، فإن الدور الأمريكي في مفاوضات أبوظبي كان يهدف بالأساس لجس نبض الكرملين تجاه التسوية. وتبعاً لذلك، قدمت واشنطن رؤية تقضي بضرورة احترام السيادة الأوكرانية مع مراعاة بعض الهواجس الأمنية الروسية المعلنة. ومن ثم، فإن الرد الروسي جاء متحفظاً ومتمسكاً بالواقع الميداني الجديد الذي فرضته العمليات العسكرية الأخيرة. وبالنظر إلى حجم التعقيدات، فإن الفشل في تحقيق خرق ليس مفاجئاً للمتابعين للشأن الجيوسياسي الدولي الراهن.
التصعيد الميداني: كيف أفسدت المدافع لغة الدبلوماسية؟
ومن جهة ثانية، تزامن فشل المفاوضات مع اندلاع أعنف الهجمات الصاروخية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. وبما أن الميدان هو من يفرض كلمته أحياناً، فإن التصعيد الأخير قوض جهود الوسطاء الإماراتيين والدوليين. ولذلك، تسود حالة من القلق الدولي حيال إمكانية اتساع رقعة الصراع لتشمل جبهات جديدة وأكثر خطورة. وبسبب هذا التصعيد، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام معضلة الموازنة بين الدعم العسكري والدعوة لضبط النفس.
وزيادة على ذلك، فإن التقارير الاستخباراتية تشير إلى حشد عسكري ضخم من الطرفين استعداداً لمعارك الربيع الحاسمة. وفي المقابل، تحاول الدبلوماسية الإماراتية امتصاص الصدمات ومنع الانهيار الكامل لمسار الحوار الهش الذي انطلق مؤخراً. ورغم خيبة الأمل، إلا أن استضافة مثل هذه اللقاءات تعد انتصاراً للدبلوماسية التي ترفض الاستسلام لصوت الرصاص. ولهذا السبب، يرى الخبراء أن الحل السياسي سيظل بعيد المنال طالما استمر الإيمان بالحسم العسكري المطلق.
الضمانات الأمنية والمعضلة الجيوسياسية الكبرى
وبالإضافة إلى القضايا الميدانية، طرحت في مفاوضات أبوظبي تساؤلات جوهرية حول شكل النظام الأمني الأوروبي المستقبلي. وحيث إن أوكرانيا تطالب بضمانات دولية ملزمة، فإن روسيا ترى في ذلك تهديداً مباشراً لمجالها الحيوي التقليدي. وبناءً عليه، لم تنجح الأطراف في صياغة لغة مشتركة ترضي طموحات كييف وتطمئن مخاوف موسكو الأمنية العميقة. ومن جهة ثانية، فإن الدور الأوروبي بدا غائباً جزئياً عن هذه الجولة، مما أثار تساؤلات حول وحدة الموقف.
وفضلاً عن ذلك، فإن استمرار الحرب يستنزف الاقتصاد العالمي ويتسبب في أزمات تضخم غير مسبوقة في القارات الخمس. وبما أن الأمن الغذائي العالمي مرتبط باستقرار البحر الأسود، فإن الفشل في أبوظبي يعمق من معاناة الدول الفقيرة. ولذلك، تضغط القوى الإقليمية نحو ضرورة العودة لطاولة المفاوضات بأجندة أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ على الأرض. ونتيجة لذلك، تظل الأنظار شاخصة نحو العواصم الكبرى انتظاراً لمبادرة جديدة قد تكسر حالة الجمود السياسي الراهنة.
آفاق المستقبل: هل تنجح الإمارات فيما فشل فيه الآخرون؟
وفي سياق متصل، لا تزال الإمارات العربية المتحدة تتمتع بعلاقات متوازنة مع كافة أطراف النزاع الدولي الحالي. ومن الضروري أيضاً الإشارة إلى أن الحياد الإيجابي هو ما مكن أبوظبي من جمع هؤلاء الخصوم معاً. وزيادة على ذلك، فإن النجاح في ملفات تبادل الأسرى سابقاً يمنح بصيصاً من الأمل لتحقيق اختراقات أكبر مستقبلاً. وبناءً عليه، يتوقع أن تستمر الدبلوماسية الإماراتية في تحريك المياه الراكدة عبر لقاءات فنية وتقنية ثنائية لاحقاً.
وختاماً، فإن إنهاء الحرب في أوكرانيا يتطلب إرادة سياسية دولية تتجاوز مجرد الجلوس في غرف الاجتماعات الفاخرة. ومن ثم، فإننا نأمل أن تؤدي هذه الجولة المتعثرة إلى مراجعة الأطراف لمواقفها وتغليب لغة العقل والسلام. وتستمر المعاناة الإنسانية في الميدان بانتظار لحظة صدق دبلوماسي تضع حداً لهذه المأساة التي طال أمدها كثيراً. وبناءً على ذلك، سيظل ملف السلام في أوكرانيا مفتوحاً على كل الاحتمالات، من التصعيد الشامل إلى التسوية الصعبة.

