الحفر في شوارع طنجة الكبرى تثير غضباً عارماً بعد إسدال الستار على “الكان”
الحفر في شوارع طنجة الكبرى باتت هي الشغل الشاغل لسكان “عروس الشمال” خلال الأيام القليلة الماضية. فبمجرد أن انطفأت أضواء ملاعب كأس أمم إفريقيا 2025، طفت على السطح عيوب البنية التحتية بشكل صادم. يبدو أن الزينة التي غطت وجه المدينة خلال العرس القاري لم تصمد طويلاً أمام أول اختبار حقيقي. نتيجة لذلك، تعالت أصوات الانتقادات اللاذعة من طرف السائقين والفاعلين المحليين على حد سواء. السكان يتساءلون اليوم بحرقة عن جدوى الإصلاحات “الترقيعية” التي سبقت البطولة ولم تعمر طويلاً. ومن هذا المنطلق، أصبح ملف الطرقات في المدينة يتصدر واجهات النقاش العمومي في المقاهي والمنصات الرقمية.
صدمة الواقع بعد انتهاء الاحتفالات القارية
عاش سكان طنجة لأسابيع على وقع إصلاحات ماراثونية شملت كبريات الشوارع والمدارات لإعطاء صورة تليق بضيوف المغرب. ومع ذلك، لم تكد تمضي أيام قليلة على مغادرة الوفود والمنتخبات حتى بدأت طبقات الإسفلت في التآكل بشكل مريب. وبالإضافة إلى ذلك، كشفت الأمطار الأخيرة هشاشة الطبقة الرابطة التي تم وضعها في وقت قياسي جداً. وبالتالي، فإن الحفر في شوارع طنجة الكبرى تحولت إلى مصائد حقيقية تتربص بعجلات السيارات وسلامة الركاب. وفي سياق متصل، استغرب مهتمون كيف يمكن لطرقات حديثة التزفيت أن تتدهور بهذه السرعة الكبيرة والمثيرة للشكوك. وبناءً عليه، يرى البعض أن السرعة في الإنجاز كانت على حساب الجودة والمعايير التقنية المعمول بها.
هذا الوضع المزري أثر بشكل مباشر على انسيابية حركة السير في محاور كانت تعتبر نموذجية قبل أسابيع. وبالمثل، تسببت هذه الفجوات الطرقية في خسائر مادية فادحة لأصحاب السيارات الخاصة وسائقي سيارات الأجرة الصنف الصغير. ومن ناحية أخرى، تضررت صورة المدينة التي راهنت على “الكان” كقنطرة للترويج لجاذبيتها العالمية والاستثمارية القوية. وعلاوة على ذلك، يشتكي المارة من تطاير الحصى وبقايا الإسفلت المتهالك الذي يملأ جنبات الطرقات الرئيسية والفرعية. ومن ثم، أصبحت المطالب بفتح تحقيق في جودة الأشغال المنجزة تتردد بقوة في كل مكان.
انتقادات لاذعة للمنتخبين والشركات المنجزة
وجه نشطاء وحقوقيون في طنجة انتقادات شديدة اللهجة للمجالس المنتخبة المسؤولة عن تتبع ملف البنية التحتية والتعمير. وبطبيعة الحال، اعتبر الكثيرون أن ما حدث يمثل “هذراً للمال العام” تحت ذريعة الاستعداد لحدث رياضي عابر. ومن جهة ثانية، طالت الاتهامات الشركات التي نالت صفقات التزفيت والتبليط قبل انطلاق البطولة الإفريقية بالمغرب. وبناءً على ما سبق، يرى مراقبون أن غياب المراقبة الصارمة أثناء عملية الأشغال هو السبب الرئيس في الفضيحة. وفضلاً عن هذا، تسببت هذه الأعطاب في تشويه المظهر العام للمدينة التي تستعد لاحتضان أحداث عالمية أخرى. وبالإضافة لما سبق، فإن غياب الصيانة الاستباقية يعمق الهوة بين الوعود الانتخابية والواقع المعيشي الصعب للمواطنين.
في المقابل، يرى فاعلون جمعويون أن الحل لا يكمن في الترقيع المستمر بل في استراتيجية طرقية متكاملة. ومن هذا المنطلق، يجب على السلطات الولائية التدخل لفرض معايير صارمة على المقاولات المكلفة بالأشغال الكبرى بالجهة. والجدير بالذكر أن المواطن الطنجاوي بات يرفض سياسة “الواجهة” التي تركز على الشوارع المدارية وتهمل الأحياء الآهلة. ونتيجة لهذه الضغوط المتزايدة، بدأت بعض الجرافات في التحرك ليلاً لإصلاح بعض النقاط السوداء الأكثر تضرراً بالمدينة. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول مدى صمود هذه الإصلاحات الجديدة أمام عواصف الشتاء القادمة والرياح.
تداعيات تقنية ومطالب بإعادة الهيكلة الشاملة
الخبراء في الهندسة المدنية يشيرون إلى أن انتشار الحفر في شوارع طنجة الكبرى يرجع لضعف الطبقة الأساس. وبالموازاة مع ذلك، فإن استخدام مواد رديئة لا تتحمل ضغط الشاحنات الكبيرة ساهم في سرعة ظهور هذه التشققات. ومن جهة أخرى، يرى تقنيون أن عدم احترام فترات جفاف الإسفلت قبل فتحه للمرور أدى لهذه النتيجة الكارثية. وبالإضافة لذلك، فإن تداخل الاختصاصات بين عدة جهات رسمية يعرقل عمليات الإصلاح الجذري والدائم لهذه المعضلة الطرقية. ومن الواضح أن المدينة بحاجة لثورة في قطاع التطهير السائل لمنع تسرب المياه تحت طبقات الزفت المنهار. وفضلاً عن هذا، يتطلب الوضع الحالي جراءة في اتخاذ قرارات تقضي بمقاضاة الشركات التي لم تلتزم بدفاتر التحملات.
وعلى صعيد آخر، تطالب فعاليات المجتمع المدني بضرورة إشراك مكاتب دراسات مستقلة لتقييم حالة الطرقات بشكل دوري. وبطبيعة الحال، التكلفة التي ستدفعها المدينة لإعادة الإصلاح ستكون مضاعفة عما تم صرفه في المرة الأولى تماماً. ومن ثم، فإن استدامة البنية التحتية يجب أن تكون هي الهدف الأسمى بعيداً عن منطق “المناسباتية” والارتجال. والجدير بالذكر أن طنجة مقبلة على احتضان مونديال 2030، وهو ما يفرض قطيعة تامة مع ممارسات الماضي. ونتيجة لذلك، فإن الشفافية في تدبير الصفقات العمومية تظل هي الضمانة الوحيدة لتفادي تكرار مثل هذه السيناريوهات المحرجة.
رسالة من سكان عروس الشمال إلى المسؤولين
في الختام، تبقى طنجة جوهرة المغرب الشمالية التي تستحق أفضل الخدمات وأرقى مستويات العيش الكريم لسكانها وزوارها. وبناءً عليه، فإن إصلاح الحفر ليس مجرد ترف بل هو حق مشروع لضمان كرامة المواطن وسلامة ممتلكاته. ومن جهة ثانية، يجب أن تكون تجربة كأس إفريقيا درساً قاسياً لكل من يتهاون في أداء واجبه المهني. وبالإضافة لما سبق، نأمل أن تتحرك الآليات في القريب العاجل لترميم ما أفسدته العجلة وسوء التدبير في الطرقات. وفي نهاية المطاف، فإن الحكم الحقيقي على نجاح أي مشروع هو مدى صموده واستمراريته في خدمة الناس.

